توقيع المؤتمر والمشترك لاتفاقية جديدة تتضمن الحوار حول تنفيذ اتفاقية المشترك والبدء بحوار وطني يتضمن إصلاحات سياسية وانتخابية مثل تراجع خطوات عن سياسة الهاوية التي كانت -ولا زالت- السلطة تقود بها البلاد، ويتمنى الجميع أن تتلبس السلطة حالة رشد ولو فترات وجيزة لتكتشف بنفسها مدى الدمار والخراب الذي أحدثته، ليس أهمها دورات العنف والاقتتال ودفع الناس لمرحلة اليأس وليس آخرها السقوط المدوي للعملة الوطنية التي تواصل انكسارها أمام العملات الأخرى بسرعة إصدار الحكومة لبياناتها وإنجازاتها في البلاد. الاتفاق الأخير فرصة لالتقاط الأنفاس والسماح بمشاهدة مآل البلاد في حالة الاستمرار تحت أوهام طغيان القوة وعمى البصيرة والمكابرة والعناد التي تحلت بها السلطة على الدوام. من وجهوا انتقادهم لأحزاب المشترك على توقيع الاتفاقية يتناسون أن ميدان الأحزاب السياسية هو العمل المدني السلمي وليس هناك من وسائل أخرى لإخراج البلد من سنوات «التيه» والمتاجرة بموقعها وخطورة نتائج التصدعات -لا سمح الله- المترتبة عليها ولا يعني ذلك الموافقة على منطق السلطة التي تهدد المجتمع المحلي والدولي بالصوملة والعرقنة كلما تم الضغط عليها بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية. إن طريق التغيير في المجتمعات يتضمن طريقين إما العنف أو التغيير السلمي، وطريق العنف يعني الدمار وخراب مالطا، ولا يقبله من كان له مثقال ذرة من عقل أو ضمير. والطريق السلمي يتضمن «الضغط الشعبي» وممارسته الأدوات السلمية المدنية «البرلمان، الصحافة، منظمات المجتمع المدني، وكل الأدوات الحضارية» وهذا ما تقوم به المعارضة وإن اختلفنا في درجة إجادتها واستفادتها من هذه الأدوات والوسائل. إن العالم والإقليم والمجتمع الدولي بات على قناعة تامة بأن استمرار السلطة في تغذية الفساد وحمايته وتغذية الفوضى ومصادر العنف والتطرف سيفضي لا محالة إلى «الصوملة والعرقنة»، أي إلى نفس النتائج التي تهدد بها السلطة وأن السماح لها بالتلاعب بالوقت يقود إلى نفس النتائج، والشواهد في طول البلاد وعرضها كثيرة للنتائج التدميرية لهذه السياسات الرعناء. من يلوم المعارضة على تمسكها بالخيارات السلمية وإن كان بدافع الحرص، عليه أن يدرك أن التغيير الآمن مرهون بمدى قدرة المجتمع على تمسكه بالأدوات السلمية والحفاظ عليها ومراكمة تجارب مناهضة الاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة وتكوين التحالفات السياسية والاجتماعية وتحمل نتائجها بعيدا عن الحسابات الشخصية ولدينا تجارب من حولنا كانت أدواتها العنف فلم تتوقف عجلتها حتى التهمت أصحابها وتركت المجتمعات يبابا. وفي المقابل فإن أحزاب المشترك تدرك أن من يقود سيارته ببطء في الطريق السريع يصنع كارثة لنفسه ومن حوله، وأن ضبط الإيقاع والتنسيق لإنضاج مشروع وطني ليس أمنية وكفى، فالمعارضة اليوم وهي في طريقها نحو التغيير لا تقفز على تعقيدات الواقع المحلي وارتباطه بالمؤثرات الإقليمية والدولية ولا تغفل عن جراحات وعذابات المجتمع الذي عانى ويل السلطة وفسادها. ولن تضيف جرحا جديدا فهي تسعى -وفق إمكانياتها وقدرتها- على السير نحو التغيير الشامل والآمن، وهذا المشروع يقترن بالأمل والصبر وتحمل الاستفزاز ونكران الذات.
|