يقوم الحوثيون بتمشيط شامل لمسرح العمليات «الجغرافيا المسيطرون عليها» للخلاص من كل المناوئين إما بقتلهم أو لدفعهم للنجاة بحياتهم والفرار كلاجئين في صنعاء، وآخر القلاع التي يتحلق حولها الحوثيون لإسقاطها هي قبيلة صغير عزيز في حرف سفيان. وتحضر مقولة أحد مشائخ صعدة المتمرسين حين قال: «إن الهدف النهائي لحروب السلطة مع الحوثي هي إضعاف الجيش الجمهوري وتصفية المشائخ وتسليم صعدة ومناطق مجاورة للحوثي» وفق مخطط داخلي يستهدف انتقال السلطة ورغبة دولية بإنعاش «موالاة» إيران في المجتمعات العربية وفي اليمن. وبعبارة الرئيس نفسه «شمال اليمن وجنوب السعودية» لتكوين دولة شيعية تستهدف المذهب الوهابي السعودي الذي يعد في نظر الأمريكان المسئول عن أحداث 11 سبتمبر الإرهابية. إذ لا يمكن فهم الموقف الأمريكي المتعاطف مع الحوثي أكثر من القضية الجنوبية سوى في إطار التخطيط لتقويض المملكة مستقبلا وتفكيك المذهب الوهابي. وإلا من الذي يستطيع الإجابة عن سؤال كبير وعريض يقول: أين التحالف الاستراتيجي العميق بين الإدارة الأمريكية والسعودية والمصالح المتبادلة «السعودية تمتلك ودائع مالية ضخمة جدا في البنوك الأمريكية وأيضا هي التي تحافظ على سعر النفط في حدود المصالح الأمريكية من خلال كمية الإنتاج على مدى عقود ماضية». وهناك سلوك غير مبرر في السياسة السعودية وهو موافقتها على تسليم العراق لإيران بعد الغزو الأمريكي. ولماذا تفشل المشاريع الفكرية والسياسية التي تتبناها المملكة العربية السعودية وتنجح تلك المرتبطة بإيران»!؟ فمثلا في اليمن منذ عام 1967م والسعودية ممثلة باللجنة الخاصة تصب الملايين في يد أشخاص ومشائخ يمثلون «شمال اليمن» وفجأة تكون نتائج هذا الدعم اللامحدود هي نمو المشروع الحوثي في منطقة حساسة وخطيرة بالنسبة للمملكة حيث الجنوب الشيعي والنفطي أيضا، ومع هذه الأحداث والوقائع الكبرى لا يبدو أن المملكة امتلكت أدوات المراجعة والتقييم سوى بملء كشوفات اللجنة بالمزيد من المشائخ!! وتنسى أن اليمنيين يحتاجون جميعهم لمستوى تعليمي أفضل فلو كانت صعدة لا تعيش في القرون الغابرة من حيث التعليم والصحة والتنمية لما جرى كل ذلك. وهذا المال الذي يذهب لأشخاص لم يعد لهم تأثير يذكر في مناطقهم، لو أنها سخرته لتنمية اليمن كما فعلت الكويت في الثمانينات من القرن الماضي لكان الوضع مختلفا. أما تدبيج التصريحات من مقر الإقامة في صنعاء وتكوين التكتلات والندوات في الفنادق فلا يكلف سوى «المصروف»! المملكة الشقيقة لديها الاستعداد لتدفع الملايين للأشخاص وليس لديها الاستعداد لتستقبل العمالة اليمنية، وحتى أولئك الموجودون هناك فإنهم يعيشون وفق نظام الرق «الكفيل» لذلك فإن ما تجنيه السعودية في حديقتها الخلفية هو حصاد للسياسة القائمة على أساس: «من يزرع الشوك لا يحصد العنب»!! السلطة والموالون يعلن الحوثي أن صراعه المسلح في حرف سفيان هو مع السلطة والسلطة تتبرأ وتقول إنه صراع مع القبائل، وتضيف أن الأسلحة التي يستخدمها الحوثي استطاع نهبها من الجيش «لا تعليق»!! وبعد يوم واحد من إعلان صنعاء والدوحة عن تفعيل اتفاقية الدوحة الموقع في قطر عام 2007م، تم اغتيال شيخ في منبه ومرافقيه ومزيد من إحكام القبضة على حرف سفيان واستئصال القبائل المناوئة. فهل ذلك التفعيل المتعلق باتفاقية الدوحة يتضمن تمشيط المنطقة من الخصوم؟ وماذا عن علاقة السلطة بالمشائخ والقبائل الموالية لها خلال ستة حروب ماضية؟ من تبقى منهم يلعقون جراحهم في صنعاء، لقد استخدمتهم السلطة «كروت» كما هي طريقتها في إدارة البلاد وتستطيع السلطة إنهاء صراعها مع الحوثي «باتصال»، لكنها لن تفعل لأنها تستثير المملكة العربية السعودية لتدخل طرفا في النزاع وتدفع الأموال التي تذهب لجيبها. هذا الوضع يغري الحوثي بالاندفاع والذهاب في رغبة الانتقام من خصومه أبعد مدى، وتحت تأثير نشوة اللحظة لا تتراءى أمامه الجراحات العميقة التي يحفرها بالدم في نسيج المجتمعات المحلية الحاضنة لحركته وحين يفيق من نشوته سيجد أن أبناء صعدة وما جاورها أصبحوا «شواهد مقابر» ومعهم أبناء اليمن من كل مديرية في سلك الجيش والأمن. وإن ذاكرة الأجيال ومخيلاتهم محشوة بالحقد والانتقام، ولئن كان الحوثي يقول إنه يدافع عن نفسه في وجه السلطة فما مبرره لخوض عمليات قتل ضد من يختلفون معه من أبناء مجتمعه!؟ من السهل أن يقول إن هؤلاء بقايا السلطة والسعودية والأمريكان وحتى الشيطان، ولكن من المستحيل أن يقنع أحدا أنه يدافع عن نفسه في هذه اللحظة!!
|