لو قدر لي سأدخل في جميع مدارس الشرق الإسلامي دروسا عن «الفكر النقدي» فالشرق على خلاف الغرب لم يمر بهذه المدرسة القاسية وهذا هو مصدر معظم ظواهر قصوره».. المفكر الإسلامي الرئيس علي عزت بيجوفيتش اللقاء المشترك الذي جمع أهم وأبرز التيارات السياسية في الساحة الوطنية «الإسلامية والقومية والاشتراكية»، مثّل نقطة محورية في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية والتاريخ السياسي لليمن المعاصر، ومهما قيل عن أخطاء وجوانب قصور متعددة في أداء ومسيرة هذا التكتل إلا أنه يظل نقطة الضوء المتبقية من المشروع الوطني الديمقراطي لوحدة 22 مايو 1990م والأمل المتبقي لجماهير الشعب في إنقاذ الوطن من التردي في مهاوي «المشاريع الصغيرة» التي برزت وتعملقت خلال السنوات الأخيرة . والتي باتت تهدد مكتسبات الشعب وقواه الوطنية التي بناها بدماء الشهداء خلال ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، هذه الأهمية التي يحتلها المشترك في حياة اليمنيين هي ما تدفع كل مخلص لهذا الوطن أن يبذل قصارى جهده في ترشيد مسيرة هذا التكتل السياسي الوحدوي الديمقراطي ويوجب على قياداته أن يفتحوا صدورهم لكل نقد من داخل أو خارج المشترك. أولا: الشكوى من العوائق الخارجية بدلا من معالجة العوائق الذاتية من الطبيعي أن يكون للمشترك أعداء وخصوم يبذلون قصارى جهدهم لإعاقته عن الوصول لأهدافه المشروعة، بيد أن ذلك ليس السبب الرئيس لإخفاقات المشترك، إذ لا توجد خسارة لا يكون الطرف الخاسر مسئولا عنها وكما يقول المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش «لا يوجد في مزبلة التاريخ أبرياء، لأنك عندما تكون ضعيفا فهذه خطيئة من وجهة نظر التاريخ، وأن تكون ضعيفا في التاريخ هو عمل لا أخلاقي»، ولهذا فإن اقتناع قيادات المشترك بأن العوامل والظروف الخارجية هي المسئولة عن ضعف المشترك أو عدم تحقيقه لأهدافه لم يساعدها ولن يساعدها على تجاوز هذه الظروف والعوامل، لأنها ليست من صنعها. والطريق الصحيح لإحداث تغيير في العوامل الخارجية هو تغيير الذات «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وهي قاعدة وسنة كونية من استوعبها استطاع أن يغير في الواقع بغض النظر عن دينه وعرقه وتوجهه، يقول لينين: «إن كل الأحزاب الثورية التي أخفقت حتى الآن قد أخفقت لأن الغرور قد استولى عليها، ولم تكن تقدر ما يكون قوتها، كما كانت تخشى الحديث عن جوانب الضعف فيها، أما نحن فلن نخفق لأننا لا نخشى الحديث عن ضعفنا ونتعلم كيف نتغلب عليه» إن تجارب التاريخ تؤكد أن الأحزاب والجماعات التي تقف في منتصف الطريق خلال إنجاز مهماتها أو تخشى إصلاح أخطائها فإنها تنتحر ولهذا فإن أي رؤية مستقبلية لأحزاب المشترك لا تأخذ بعين الاعتبار عوائقها الذاتية لا يمكن أن تكون صائبة في استنتاجاتها ولا ناجحة في تقوم أدائها، وإذا لم تنجح أحزاب المشترك -خصوصا الأحزاب الكبيرة والفاعلة فيها- في تحويل نفسها إلى موضوع للبحث والنقد -ولو بشكل نسبي- فإنها مقدمة على مزيد من التراجع والفشل!!
ثانيا: التواصل مع النخبة دون الجماهير إن غياب قادة المشترك عن العمل الجماهيري والاحتكاك بالشعب وتبني قضاياه اليومية بات سمة ظاهرة لا يمكن إنكارها، خصوصا في السنوات الأخيرة حيث انشغلت هذه القيادات بالعمل النخبوي وتبنت خطابا سياسيا عاليا قد يكون عادلا وضروريا لكنه لا يعبر عن المصالح المباشرة للجماهير، ولا يمكن أن يكون بديلا لنزول الأحزاب إلى الشارع والالتحام بالجماهير، أما الاكتفاء بإصدار بيانات سياسية عبر الصحف الحزبية محدودة التأثير والانتشار، فإن نتائجه هو ما نراه اليوم من عزوف الجمهور عن أحزاب المشترك والبحث عن أطر أخرى غير وطنية بكل تأكيد، وليس من حق أي سياسي أو صاحب قضية وطنية أن يتهم الجماهير بالتقصير أو يلقي عليها باللائمة لإفشال مشاريع التغيير الذي تتبناه هذه الأحزاب، فالجماهير دائما لها قياداتها الاجتماعية والسياسية المؤثرة، وعلى هذه القيادات إذا كانت جادة فعلا بالتغيير أن تقدم دائما النموذج والسلوك العملي المنسجم مع ما تطرحه من شعارات ومبادئ نظرية بحيث يستطيعون توثيق صلتهم بالجماهير وبناء عوامل الثقة معها ليكون بمقدورهم استنهاضها وتحفيزها وتوعيتها لاتخاذ مواقف مناسبة تخدم هدف التغيير، أما عندما تضعف أو تنعدم صلة القيادات بالجمهور، ويقتصر دورها على التنظير المكتبي وتنحل الروابط التي تصل النظرية بالتطبيق وتصاب المسافة بينهما بالتشوه والتمزق فإن في ذلك إيذانا ببداية النهاية للأحلام النظرية التي لطالما سلبت العقول بدقتها أو منطقيتها أو نقصيتها وكما يقول د./ مقبول إدريس فإن أشد الضربات المميتة التي تتلقاها الأفكار هي تلك التي تأتيها من جهة معاكسة «بفتح الكاف» خطها بنقضه بسلوك تدميري قاصد لأهم أسسه البنائية ولهذا قال الحق سبحانه مستنكرا هذه الفجوة السلوكية والفكرية المتعمدة «كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» الصف: 3. إن العمل الجماهيري لا يتناقض إطلاقا مع الحوار الوطني أو العمل من أجل الحوار الوطني، بل هو ضرورة لإنجاح الحوار وتحقيق أهداف أطرافه، إن الحزب الحاكم يخوض الحوار متكئا على قوة السلطة والدولة، وستخوض الأطراف الأخرى الحوار متكئة على قوتها العسكرية (الحوثيين) أو الجماهيرية (الحراك) وإذا لم يكن المشترك على صلة وثيقة بالجمهور فإنه يفقد أهم وسائل قوته في الحوار الوطني الموعود! ثالثا: المطالبة بالحق بدلا من أداء الواجب لا يكاد يمر شهر بل أسبوع دون أن يصدر المشترك بيانا سياسيا يطالب فيه السلطة بإطلاق معتقلين أو مختطفين خارج إطار الدستور والقانون، أو العودة إلى الحوار أو.... الخ، وكل هذه المطالب هي حقوق دستورية لأصحابها وواجب دستوري على السلطة، بيد أن هذه المطالب لا تعيرها السلطة أي اهتمام ومع ذلك لا يفتأ المشترك يطالب مرة تلو أخرى، مع أن التجربة والواقع يؤكد أن تحقيق هذه المطالب إنما يأتي ثمرة لأداء الواجب، أي أن على المشترك إذا ما أراد تحقيق أي مطلب أن يبحث عن الواجب الذي ينبغي أن يقوم به وستأتي النتيجة حتما، وهو أمر مشاهد، فقد ظل المشترك والمتضررون من حرب صيف 94م يطالبون بمعالجة آثار الحرب ذات الطابع الحقوقي منذ عام 94م دون أن تعترف السلطة بمشروعية هذه المطالب مجرد اعتراف وعندما انتقل أصحاب هذه الحقوق من المطالبة بالحق إلى أداء الواجب وهو القيام بمسيرات واعتصامات وتظاهرات... الخ اعترفت السلطة بهذه الحقوق وشرعت في تلبيتها، وللمشترك تجربة في هذا الشأن فقد ظل يطالب السلطة بعدم المضي في إجراءات القيد والتسجيل عام 2008م حتى يتم التوافق الوطني لكن السلطة لم تلتفت لبياناته ومطالبه النظرية. وعندما انتقل إلى أداء الواجب أي الخروج إلى الشارع، وكان الحراك قد سبقه في ذلك، اضطرت السلطة للتوقف عن هذا الإجراء المنفرد وعادت إلى الحوار معه حتى تم التوصل إلى اتفاق فبراير 2009م، والذي يمكن القول إنه كان ثمرة لأداء الواجب ليس إلا! إن الانشغال بأداء الواجب بدلا من المطالبة بالحق لا يؤدي إلى تحقيق الهدف فحسب، وإنما يؤدي إلى توحيد صفوف المعارضة ومنع أي انشقاق، أما «الحق» فما أغراها من كلمة، إنها -كما يقول- المفكر الجزائري مالك بن نبي «كالعسل يجذب الذباب ويجتذب المنتفعين»، بينما كلمة «الواجب» لا تجتذب غير النافعين، وكلمة الواجب على الصعيد السياسي توحد وتؤلف بينما كلمة الحق تمزق وتفرق، وهو أمر يمكن ملاحظته في مسيرة المشترك نفسه، ففي انتخابات 2003م اتفقت أحزاب المشترك على التنسيق وعدم منافسة بعضهم لبعض لكن انطلاقهم من قضية «الحق» أفشل التنسيق في أكثر من دائرة ولصالح الحزب الحاكم، على عكس ما حدث في انتخابات 2006م، فقد انطلق قادة المشترك من قضية «الواجب» في الترشح لمنصب الرئاسة، فكان أن زهد به الجميع ليتحمله فيصل بن شملان -رحمه الله!! رابعاً: اللجنة التحضيرية بدلا عن اللقاء المشترك عندما قرر المشترك خوض الانتخابات الرئاسية والمحلية في سبتمبر 2006م بمرشح وبرنامج واحد وقائمة واحدة، كان قد مضى على تأسيسه عقد كامل «أغسطس 1996م»، ومع ذلك فإن المعرفة الجماهيرية باللقاء المشترك كانت ضعيفة ومحدودة، ففي استطلاع للرأي أجراه المركز اليمني لقياس الرأي العام وشمل 1000 ناخب وناخبة من ست محافظات خلال الفترة 1- 10 سبتمبر 2006م وحول سؤال: هل تعرف تكتل أحزاب اللقاء المشترك؟ قال: 46.3% إنهم لا يعرفون تكتل اللقاء المشترك مقابل 10% فقط لا يعرفون حزب المؤتمر. كانت محطة الانتخابات الرئاسية فرصة لا تعوض ليطرح المشترك نفسه على الجمهور كبديل سياسي للحزب الحاكم، وقد نجح من خلال ما توفرت له من فرصة في مخاطبة الجماهير من خلال وسائل الإعلام الرسمية من طرح نفسه بقوة أمام الرأي العام في الداخل والخارج، وبغض النظر عن النتائج التي حصل عليها، إلا أن مجرد إقناع الرأي العام الداخلي والخارجي بأن اللقاء المشترك هو المعارضة الرئيسية والبديل الوحيد للحزب الحاكم يعد نجاحا لا يستهان به. بعد عامين من الانتخابات الرئاسية تعقدت الأزمة الوطنية ورأى المشترك توسيع إطار المعارضة من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني يضم كافة القوى والشخصيات السياسية والاجتماعية، وتم عقد ملتقى التشاور الوطني في مايو 2009م والذي انبثقت عنه اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، واللجنة التي أنشأت عدداً من اللجان الفرعية الخاصة، أصبحت كيانا سياسيا يوازي اللقاء المشترك، وبغض النظر عن موقف السلطة وحساسيتها من رئاسة اللجنة، إلا أن اعتبار اللجنة كيانا موازيا للمشترك ليس من مصلحة الأخير كما نعتقد. فاللجنة تحضيرية -أي مؤقتة- وكان ينبغي أن تكون منبثقة عن اللقاء المشترك وأحد آلياته، لأن اللقاء المشترك هو المكون الأساسي لملتقى التشاور الوطني الذي انبثقت عنه اللجنة التحضيرية، ذلك أن القوى الرئيسية التي كان يفترض أن يضمها الملتقى إلى جانب المشترك وهي الحراك الجنوبي والحوثيون، ومعارضة الخارج لم يحضروا الملتقى فقط انضم حزب التجمع الوحدوي اليمني وعدد من الشخصيات الوطنية المستقلة. أما الشخصيات الأخرى التي صنفت ضمن لجان الفئات التي شكلها الملتقى «المشائخ، الشباب... الخ» فهي في غالبها تنتمي إلى أحزاب المشترك وبالتالي فقد كان المفترض أن يتم استيعاب التجمع الوحدوي في إطار المشترك، حتى الشخصيات الوطنية المستقلة كان يمكن استيعابها في إطار المشترك دون أن يستدعي ذلك الانتقال إلى إطار ومسمى جديد، إذ يمكن استيعابهم كما حدث في انتخابات 2006م، حيث تم استعياب المستقلين بما فيهم مرشح اللقاء المشترك من خلال برنامج الإصلاح السياسي والوطني الشامل للمشترك وهو ما يمكن أن يتم اليوم حتى في الإطار التنظيمي للمشترك تحت فئة المستقلين ويتم تغيير التسمية من أحزاب اللقاء المشترك إلى تكتل اللقاء المشترك.
|