- ما هي المعوقات أمام هذا الإصلاح؟
* معوقات الإصلاح الاقتصادي كثيرة ولكن يمكن تلخيصها في أربع معوقات أولها غياب الإرادة السياسية والجدية في الإصلاح فعندما يكون الإصلاح لأغراض تكتيكية أو انتخابية فإنها تفشل مهما كانت الموارد المتاحة لتنفيذ تلك الإصلاحات، ثاني تلك المعوقات عدم تزامن الإصلاح الاقتصادي مع إصلاح سياسي فلا يمكن نجاح إصلاح اقتصادي دون أن يسبقه إصلاح سياسي، أي إصلاح المنظومة الانتخابية وترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة بين النخبة السياسية أولا ومن ثم البدء بإصلاحات اقتصادية، أما المعوق الثالث فيتمثل في الفساد المستشري بصورة جعلت أي إصلاح تقوم به الحكومة ينعكس لصالح الفاسدين دون غيرهم، فمهما جمعنا من موارد فان الفاسدين يلتهمونها ولا يستفيد الشعب أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية من تلك الإصلاحات، لقد تضاعفت مواردنا أربعة أضعاف من بداية الألفية ولم يشعر المواطن بتحسن بل العكس الوضع أسوا مما كان، أما المعوق الرابع فيتمثل في عدم تسليم الإدارة إلى كفاءات لتنفيذ تلك الإصلاحات وسلمت الإدارة لغير المتخصص أو غير المؤهلين.
- ما هو الحل من وجهة نظرك؟
* إن الحلول الترقيعية والمشاريع الصغيرة لم تعد مجدية أو صالحة في ظل الأوضاع الحالية. وإن إصلاح أوضاعنا ومشاكلنا يتطلب إرادة من المجتمع وتفاعلاً من أبناء اليمن، فحل مشاكل اليمن لم يعد بمقدور فئة أو حزب أو جماعة حلها بمفرده ولهذا فإن الإصلاح والتغيير لا يمكن أن يحقق أهدافه بدون توفر مقدمات وشروط موضوعية، يمكن لنا أن نطلق عليها صفة المقدمات الأساسية. أي تلك التي تمهد وتشكل الأرضية له ولانطلاقته، والتي يأتي في مقدمتها: توفر الإرادة السياسية الحامية للتغيير والراعية لمتطلباته. توفر الكادر القادر على وضع برامج الإصلاح المناسبة. وتكامل عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
وإن الشروط السابقة تؤكد لنا أن التغيير والإصلاح لا يمكن أن يتم بطريقة عفوية مجتزأة، بل يجب أن يكون منهجياً ومدروساً، وضمن إطار خطة شمولية وموضوعية له.
- ما هو الدعم الذي تتوقعه للسلطة من المؤتمر؟
* لا أتوقع الكثير, اليمن حتى الآن لم تستطع استيعاب ما تم رصده في مؤتمر المانحين عام 2006م رغم تعهد الأخ الرئيس للمانحين بحسن استغلال هذه المنح والقروض، والذي حصل هو العكس، فقد تراجعت نسبة الاستيعاب من حوالي 60% في عام 2006م إلى 25% في عام 2008م، وإخواننا في المملكة ودول مجلس التعاون يعرفون رغبة السلطة في بلادنا التي تتمثل في تحصيل الأموال نقدا للتصرف الحكومة بها كيفما تشتهي وهذا الطلب مرفوض من المانحين جميعا.
- إذا كيف سيتم تقديم الدعم لليمن؟
* المانحون من حيث المبدأ مستعدون لتقديم الدعم ولكن ليس بالآلية التي ترغب الحكومة اليمنية بها، وأعتقد أنه سوف يتم إنشاء صندوق لإدارة التنمية في اليمن، مع استيعاب بعض العمالة اليمنية للتخفيف من الضغط على الاقتصاد اليمني ولكنها معالجات مسكنة ومؤقتة ومن أجل أن تفي الحكومة اليمنية بالمتطلبات الأمنية للأمريكان وأوروبا.
- سمعنا أنه زارك وفد فرنسا وتواصل معك البريطانيون فماذا يقلق الأوروبيين؟
* زارني السيد برراء الوزير المفوض في وزارة الاقتصاد الفرنسية رئيس قسم الشرق الأوسط، وموفد من بريطانيا، الأوربيون قلقون جدا من انهيار اليمن أو تحوله إلى دولة فاشلة لأنهم ينظرون إلى موقع اليمن بأهمية كبيرة على عكس الأمريكان فنسبة 90% من تجارة أوروبا من وإلى آسيا وشرق إفريقيا تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وأي فشل للحكومة اليمنية وحصول فوضى في اليمن سوف يكلف الأوربيين مبالغ كثيرة إضافية، كما إن هذا الممر المائي مهم جدا لأوروبا، بالإضافة إلى خوفهم من اضطرابات أمنية قريباً من منابع النفط.
- ما رأيك في موازنة هذا العام؟ وكم حجم العجز؟
* على نفس المنوال لا توجد سياسة مالية وما توفر من موارد تم صرفها والباقي نقترضه من الخارج أو الداخل وهكذا دواليك عام بعد آخر، العجز في موازنة عام 2010م يقدر بأكثر من 520 مليار ويمثل نسبة 34% من الإيرادات ونسبة 26% من النفقات لعام 2010م ونسبة 8% من الناتج المحلي وهي نسبة كبيرة جدا وإذا استمرت السياسة المالية بهذا النهج وبهذه الطريقة فاليمنيون ينتظرهم الكثير من المشاكل والاضطرابات التي قد تعصف بكل شيء تحقق في السنوات الماضية.
- هل تستطيع المعارضة أن تقدم روية تساعد على الخروج من هذا الوضع؟
* ما يحصل في الجانب السياسي من عجز يحصل في الجانب الاقتصادي، المعارضة تفتقد إلى خطة اقتصادية يمكن الاعتماد عليها في وضع حلول للخروج من هذا الوضع، مع أن الأوربيين يتلهفون لسماع مثل ذلك منها. المعارضة نسخة طبق الأصل من السلطة أضف إلى ذلك أنها أحزاب متفرقة في مناهجها وبرامجها, وما يجمعها هو معارضة السلطة فقط، وقد لاحظت ذلك في اختيار اللجان في لجنة الحوار الوطني فالمحاصصة قائمة بينهم، وأستغرب كيف سوف يحكمون اليمن إذا استمر هذا النهج بينهم؟
- ما هو جديد الفساد في البلاد؟
* رائحة الفساد أصبحت منتشرة بصورة مخيفة لأن الفاسدين أصبحوا يعملون في وضح النهار دون عابئين بحكومة أو مجلس نواب أو سلطات رقابية أو قضائية فتخيل أن يباع (720) ألف طن متري من الغاز للمواطن اليمني بثمن يبلغ (84) مليار ريال بينما يباع (6,700) ألف طن متري بمبلغ (79) مليار ريال بمعنى سوف يصدر غاز للخارج عشرة أضعاف الاستهلاك المحلي بمبلغ أقل من قيمة الاستهلاك الذي يقدر بـ10% من المصدر، فهل يوجد فساد في العالم يشابه هذا الفساد؟ لا أعتقد ذلك حتى في الدول الغنية. وعموما فالفساد ليس بالضرورة أن يكون رشوة فالرشوة تعتبر أحد مظاهر الفساد فقط، والأرقام التي وردت هي عبارة عن أرقام توصلت من خلال أبحاث، كما أن الجهات الرسمية تؤكد ذلك.
- وما دور مجلس النواب في موضوع المساءلة والمحاسبة؟
* مجلس النواب لا حول له ولا قوة فقد سلب كما سلبت باقي مفاصل السلطة ولم يعد إلا ديكوراً ديمقراطياً يحصل أعضاؤه على امتيازات كبيرة جعلت بعضهم أغنياء، ولو أن ما يحصل في بلادنا في بلد آخر لقامت الدنيا والمفروض أنه لا يهدأ الأعضاء في المجلس إلا بعد إلغاء اتفاقية الغاز ومحاسبة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة لأنهم ارتكبوا جرماً كبيراً في حق اليمن وشعبه، فهل تصدق أن الطن المتري من الغاز يباع للخارج بنقص 85% من قيمته في الداخل؟ أليس هذا جرماً في بلد يبحث ويتسول يوميا عن منح وقروض من أجل التخفيف من الفقر؟ أليس جرماً أن تهدر موارده بهذه الطريقة بينما يعيش 85% من سكانه بأقل من دولارين يوميا، ويعد هذا المؤشر من المؤشرات التي تجعل 85% من سكان اليمن تحت خط الفقر؟
- هل الحكومة لا تملك رؤية اقتصادية ومالية؟
* نعم الحكومة سياستها الاقتصادية والمالية فاشلة وهي ليست وليدة، والمشكلة أن الخبراء يتكلمون عن هذا الفشل في تلك السياسة منذ أكثر من عشر سنوات ومع هذا الحكومة مستمرة في هذه السياسة وهذا شيء محير، الناس يتبعون سياسة معينة وعندما يجدون أنها فشلت يغيرونها بينما حكومة اليمن مستمرة في تلك السياسة لا تراجع أسباب فشلها.
- لماذا لا تحصل هذه المراجعة في اعتقادك؟
* لأن الذي يحكم البلاد أشخاص خارج الحكومة، والحكومة عبارة عن موظفين ينفذون التعليمات فقط وليس لهم حق المناقشة أو الاعتراض حتى على تعيين مساعديهم، وقرارات التعيين لبعض القيادة في الفترة الأخيرة تؤكد ذلك.
- هل يمكن أن توضح للمواطن أين تذهب موارد الدولة؟ ولماذا التراجع فلم ينفع البترول والغاز ودخل الدولة من الضرائب والرسوم ولا رفع أسعار الخدمات ورفع الدعم فأين تذهب موارد البلاد؟
* سؤال جميل ولكن إجابتي سوف تكون كبيرة وعليك أن تتحمل ذلك. من المعلوم في جميع بلاد العالم تكون إيراداته المالية من ثلاثة مصادر أساسية هي:
المصدر الأول: الضرائب والرسوم هي المصدر الأكبر للموارد في كثيرا من بلاد العالم المتقدمة كون هذا المورد ثابتاً وغير قابل للتذبذب أو الانخفاض وتكون فيه زيادة سنوية تتراوح ما بين 5-10% وتتوقف على تطور الوضع الاقتصادي ونموه، وعلى الرغم أن نسبة الضرائب في بلادنا من أعلى النسب العالمية وخاصة ضرائب الدخل لكن الذي يحصل في هذا المورد أن الضرائب تحصل من المواطنين فقط بينما لا تحصل من التجار ورجال الأعمال الذين هم المصدر الأول لموارد الضرائب ويحصل العكس حيث أن التهرب الضريبي سواء كان عن طريق الإعفاءات المقدمة أو عن طريق التهرب يزيد عن 85% من الضرائب الواجب تحصيلها. وإذاً يمكن جمع تريليون ريال سنويا من هذا القطاع.
المصدر الثاني: عادة ما تكون عائدات الموارد الطبيعية مثل البترول والغاز وهذا المورد متذبذب فهناك عدة عوامل توثر في تراجع هذا النوع من الإيرادات منها تذبذب الأسعار أو انخفاض الإنتاج وكثير من العوامل وفي بلادنا يضاف عامل آخر يتمثل في ضياع هذه الموارد لسببين: الفساد ومشاركة المسئولين الشركات النفطية عن طريق رفع نفط الكلفة وهو ما يضيع على اليمن في النفط أكثر من مليار دولار (زيادة في نفط الكلفة)، كذلك إذا تم بيع الغاز المصدر بأسعار بيع المستهلك محليا فإن اليمن سوف تحصل على أكثر من خمسمائة مليار ريال.
المصدر الثالث: تكون في أرباح الدولة من شركات ومؤسسات القطاع العام والمختلط وهذا المصدر تم التلاعب به بثلاث وسائل: بعض المؤسسات لا تقدم بيانات محاسبية صحيحة حتى يعرف أين تذهب أرباحها، وبعضها يجمع إيرادات وتتعمد إدارتها بإهدار هذه الأموال لأنها لا تجد من يحاسبها وقد بلغ التجاوز في نفقات بعضها 1400% والثالث الفساد وعدم الكفاءة الذي يهدر مبالغ كبيرة في هذا القطاع وما يؤكد هذا أن نسبة أرباح المؤسسات العامة تراجعت من 20% عن إيراداتها في عام 1994م قبل عملية الإصلاح الاقتصادي إلى نسبة لا تزيد اليوم عن نصف بالمائة في بعضها وهذا القطاع لو يدفع نصف النسبة التي كان يدفعها في عام 1994م فقط فإن الإيرادات المؤسسات العامة سوف ترتفع إلى أكثر من 350 مليار ريال.
والخلاصة أن هناك مبالغ مهدرة على الدولة بأكثر من تريليون وثمانمائة مليار ريال، وهذا كفيل لتحقيق فائض في الموازنة وينقل اليمن إلى الدول ذات الاقتصاد المتين الذي لا يتأثر بأي عواصف أو مشاكل.
- أين تذهب هذه المبالغ إذاً؟ ومن يستفيد منها؟
* ينهب هذه المبالغ الفاسدون والمتهربون من دفع الضرائب، الفساد منتشر ويشاهد بالعين المجردة فتخيل صحفي لدية قصر يزيد قيمته عن خمسمائة مليون ريال، وهناك قائد عسكري لدية أكثر من عشرة قصور قيمة الواحد منها لا تقل عن مليار ريال، وتاجر كان حتى عام 1991م لا يملك شيء الآن يملك ثروة تزيد عن مليار دولار، وموظف صغير في الضرائب أو النفط لديه منزل تزيد قيمته عن (200) مليون ريال، فمن أين لهم هذه المبالغ إذا كان رئيس الجمهورية راتبه بحدود (300) ألف ريال وهذا أكبر راتب في الدولة. وكذلك دخلي يزيد عن دخل هذا الموظف بمقدار 200% ولم أستطع منذ عشر سنوات حتى أن طوبة واحدة فكيف بشخص راتبه (50) ألف ريال ويعمل هذه القصور وينفق هذا الإنفاق البذخي ولدية عقارات في الخارج ولديه استثمارات ومشاريع؟ من أين ذلك إن لم يكن من إيرادات الدولة أو التهرب من دفع الضرائب!؟
- كيف يتم مراقبة الفساد ومحاربته؟
* الحل بيد الأخ الرئيس هناك ثلاث كلمات مترابطة إذا طبقها الأخ الرئيس فسوف يطبقها الآخرون مجبرين لا مخيرين: هذه الكلمات: الشفافية، المساءلة، المحاسبة. وذلك حتى لا يظل الفاسدون يتحججون بالسرية وعدم الالتزام بالقانون لأن الرئيس عندما ينفذ هذا على نفسه فلن يوجد أي كبير يرفض الخضوع لهذه المفردات بما فيهم التجار، يضاف لذلك بعض وسائل لمحاربة الفساد:
يجب على كل المسئولين في السلطة العليا أن ينشروا في الصحف بياناتهم المالية وممتلكاتهم في نهاية كل عام حتى يراقب المواطن التطور في ممتلكاتهم مع ذكر أنشطة أبنائهم غير المعلنة لأن قد يحول بعضهم ما يحوله من أموال باسم ابنه. وينطبق هذا على التجار ورجال الأعمال في ظل الحوكمة.
يطبق السجل العقاري في البلاد بصورة سليمة بحيث لا يعتمد أي تملك للعقار إلى بعد التأكد من مصدر قيمته.
إصدار نظام محاسبي ومعايير محاسبية وإلزام الجميع بتطبيقها في أعمالهم ولا يجوز أن يتم التعامل مع مشاريع الحكومة من قبل القطاع الخاص أو يحاسب ضريبيا إلا من طبق النظم المحاسبية، وهذه لن تكشف التهرب الضريبي بل سوف تكشف العمولات التي تمنح لموظفي الدولة والقطاع العام.
رقابة شعبية وذلك بتعديل جميع القوانين التي تعيق المواطن من التبليغ عن الفاسدين بل وتحميهم من جبروت الفاسدين.
يجب أن يكون لدى الرئيس تقييم حقيقي للوضع وقياس الأداء للمؤسسات وللقيادات حتى يتخذ القرارات والمعالجات بناء على قاعدة بيانات صحيحة ودقيقة ومقيمة لأن الفساد لا يرتبط فقط بالرشوة بل قد يتمثل في التلاعب بالمال العام والوظيفة العامة.
- هل تعتقد أن السلطة ضخمت من خطر القاعدة للحصول على دعم مادي لمواجهة مشاكلها السياسية الأخرى؟
* نعم كان التهديد بخطر القاعدة في غير محله وصدقني أن التضخيم من خطر القاعدة انعكس سلباً على اليمن سياسيا واقتصاديا، كما يقول المثل اليمني (كحلها أعمها) فالسلطة في بلادنا أرادات الحصول على الدعم من العالم ومن دول الإقليم فحصل العكس، فالمانحون رفضوا تقديم منح بينما انعكس هذا التهويل وظهور اليمن في الصفحات الأولى من الجرائد العالمية على السياحة اليمنية، على زيادة التأمين على البضائع والبواخر الذاهبة إلى اليمن كذلك طالبت بعض البنوك الخارجية زيادة الائتمان.
والأهم من ذلك تراجع المستثمرين الخارجيين عن التفكير في الاستثمار في اليمن في المستقبل لأنه يسمع يوميا أن اليمن في طريقها أن تكون دولة فاشلة فكيف يضحي بأمواله. وهكذا أضرت اليمن بنفسها سواء كانت تعلم أو لم تعلم. وبلغة الأرقام اليمن خسرت أكثر مما سوف تربحه من دعم. والمراهنة على الخارج في حل مشاكلنا رهان خاسر، فإذا أردنا حل مشاكلنا فعلينا الاعتماد على أنفسنا اقتصادياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً.