كان الهدف الأول والأساسي لاتفاق فبراير 2009م هو «إتاحة الفرصة للأحزاب والتنظيمات السياسية لإجراء التعديلات الدستورية اللازمة لتطوير النظام السياسي والنظام الانتخابي بما في ذلك القائمة النسبية، وكانت فترة التمديد لمدة مجلس النواب «عامين» هي الحد الأدنى المطلوب لإنجاز هذه المهمة، لكن الأحزاب ضيعت عاما كاملا لتعود من جديد للحديث عن اتفاق فبراير باعتباره مرجعا للحوار الوطني الشامل، وكان اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي في 2011م هو دافع الطرفين لتقديم رؤيتهما لتنفيذ الاتفاق.. فقد جاء في مقدمة رؤية المشترك لتنفيذ اتفاق فبراير.. «إننا في اللقاء المشترك ونظرا لضيق الوقت والفترة الزمنية المتبقية للاستحقاق الانتخابي القادم واستشعارا للمسئولية الوطنية.. فإننا نضع رؤيتنا العملية لتنفيذ الاتفاق باعتباره المرجعية لمشروعية التوافق الوطني القادم»، أما اللجنة العامة للمؤتمر فقد توقعت إمكانية عدم التوصل إلى اتفاق حول مؤتمر الحوار وإجراء التعديلات الدستورية لهذا دعت في رؤيتها لتنفيذ اتفاق فبراير «الكتل البرلمانية في مجلس النواب المضي قدما في اتخاذ الخطوات اللازمة لترجمة ما ورد في اتفاق فبراير 2009م من إجراءات تنفيذية متصلة بمهامها التشريعية»، وهي -بحسب اتفاق فبراير- استكمال التعديلات على قانون الانتخابات وإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، ودعوة البرلمان لإنجاز هذه المهام قبل اتفاق الأحزاب على التعديلات الدستورية يعني الاستعداد لإجراء انتخابات 2011م بدون هذه التعديلات فهل سيوافق المشترك على هذه الخطوة إذا ما فشل حواره مع المؤتمر حول التعديلات الدستورية في الموعد المحدد، خصوصا وأنه لا يبدو في الأفق أي اتفاق وشيك بين المؤتمر والمشترك على المضي معا في الحوار الوطني الشامل؟ دخول الانتخابات دون إصلاحات سياسية على الرغم من تأكيدات المشترك على أهمية إجراء إصلاحات سياسية شاملة كما جاء في مشروعه للإصلاح السياسي عام 2005م ووثيقة الإنقاذ الوطني عام 2009م وتأكيده مجددا «على التمسك الكامل بنصوص اتفاق 23 فبراير 2009م والتعاطي معه كمنظومة متكاملة» إلا أن تراجعه عن هذا الموقف واحتمال عودته للحوار مع الحزب الحاكم حول قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات وترحيل قضية التعديلات الدستورية إلى ما بعد الانتخابات «نظرا لضيق الوقت والفترة الزمنية المتبقية للاستحقاق الانتخابي القادم واستشعارا للمسئولية الوطنية» بحسب ما ورد في رؤيته السابقة، هو أمر متوقع وممكن وللمشترك في ذلك سوابق عديدة. مشروع المشترك وانتخابات 2006م في نوفمبر 2005م أعلن المشترك مشروع الإصلاح السياسي الوطني الشامل الذي شخص الأزمة بالحكم الفردي وتركز السلطات والصلاحيات بيد رئيس الدولة، واعتبر الإصلاح السياسي الذي يتطلب إجراء تعديلات دستورية تعالج هذه الاختلالات بوابة الإصلاح الوطني الشامل، ورغم أن ذلك كان يتطلب منه الإصرار على الحوار مع الحزب الحاكم حول هذه التعديلات، خصوصا بعد أن تبنى الأخير تعديلات دستورية مشابهة في مؤتمره العام السابع أواخر عام 2005م، إلا أنه «ونظرا لضيق الوقت والفترة الزمنية المتبقية للاستحقاق الانتخابي القادم «1 سبتمبر 2006م»، واستشعارا للمسئولية الوطنية» جلَّ الحديث عن الإصلاحات السياسية باعتبارها بوابة الإصلاح الوطني الشامل، مكتفيا بالمطالبة بإصلاح المنظومة الانتخابية التي قدم رؤيته بشأنها في مارس 2006م، وحتى يطمئن جماهيره أنه لا يزال متمسكا بالإصلاح السياسي، أضاف بوابة جديدة لهذه الإصلاحات على النحو التالي: إصلاح المنظومة الانتخابية بوابة الإصلاح السياسي، الذي هو بوابة الإصلاح الوطني الشامل. إصلاح الإدارة الانتخابية إصلاح المنظومة الانتخابية -بحسب رؤية المشترك التي أعلن عنها في مارس 2006م- كانت تتضمن الأخذ بنظام القائمة النسبية وضمانات جديدة لتكافؤ الفرص وغير ذلك من الإصلاحات التي تتطلب تعديلات قانونية بل ودستورية أيضا، دخل المشترك مع الحزب الحاكم في دوامة الحوار الذي استغرق شهورا دون الخروج بنتيجة، وهنا «ونظرا لضيق الوقت والفترة الزمنية المتبقية للاستحقاق الانتخابي القادم واستشعارا للمسئولية الوطنية..» تراجع المشترك عن مطالبه في إصلاح المنظومة الانتخابية مكتفيا بالمطالبة بإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات مؤكدا لأعضائه وأنصاره أنه لم يخرج عن مشروعه للإصلاح السياسي قيد أنملة، وما يقوم به هو في صلب هذا المشروع، حيث إصلاح اللجنة العليا للانتخابات هو بوابة إصلاح المنظومة الانتخابية التي هي بوابة الإصلاح السياسي، الذي هو بوابة الإصلاح الوطني الشامل، وحتى لا يتوه قواعد المشترك في هذه البوابات فسيتم اختصارها على هذا النحو: إصلاح اللجنة العليا وإعادة تشكيلها بوابة الإصلاح الوطني الشامل! المشترك فـي الدوامة!! سئل تشرشل عن الفرق بين رجل الدولة والسياسي فأجاب: «رجال الدولة يفكرون بالدولة والسياسيون بالانتخابات القادمة»، هذا ما فعله قادة المشترك بعد انتخابات 2006م التي وإن فاز فيها المؤتمر إلا أن المشترك لم يخسر كثيرا إذ كان يكفيه أنه روج لمشروع الإصلاح السياسي على نطاق واسع، وهذا إنجاز بحد ذاته كان يفترض أن يبني عليه المشترك بعد الانتخابات، ويبدأ مشواره في العمل على إنجاز الإصلاح السياسي بيد أن المشترك -للأسف- انشغل بتداعيات الانتخابات وصدق بالفعل أنها يمكن أن تكون بوابة الإصلاح السياسي وليس العكس، حيث وقع مع المؤتمر وبرعاية وتوقيع رئيسة لجنة البعثة الأوروبية لمراقبة الانتخابات على اتفاق لاستكمال بنود اتفاق المبادئ وتوصيات بعثة الاتحاد الأوروبي في 11 ديسمبر 2006م ثم بدأ مشوار الحوار مع الحزب الحاكم حيث وقع أمناء الأحزاب الممثلة في مجلس النواب بتاريخ 16 يونيو 2007م اتفاقية قضايا الحوار والتي نصت على أن «توصيات الاتحاد الأوروبي الواردة في تقريره عن الانتخابات هي إحدى قضايا الحوار في المرحلة الأولى»، وفي منتصف رمضان 1 سبتمبر 2007م، طرح الرئيس مبادرة لإجراء تعديلات دستورية واسعة ودعا للحوار حولها، لكن المشترك رفض الاستجابة لدعوة الرئيس رغم أن هذه التعديلات هي محور برنامجه للإصلاح السياسي، وقد علل المشترك ذلك بقناعته بعدم جدية الحزب الحاكم في الحوار نظرا لتجربته السابقة معه، لكن المشترك عاد للحوار مع الحزب الحاكم حول الإصلاحات الانتخابية وكالعادة «ونظرا لضيق الوقت والفترة الزمنية المتبقية للاستحقاق الانتخابي القادم الذي كان مقررا في أبريل 2009م. واستشعارا للمسئولية الوطنية» تم استبعاد القائمة النسبية واقتصر الحوار حول اللجنة العليا وتصحيح السجل الانتخابي وبعض التعديلات الشكلية في قانون الانتخابات، وكاد الاتفاق أن ينجح وهو ما دفع د. عبدالرحمن بافضل رئيس الكتلة البرلمانية للإصلاح للقسم بأن المشترك سيقدم أسماء مرشحيه في اللجنة اليوم التالي بيد أن تأخر الاشتراكي الذي كان أحد مرشحيه للجنة في السجن، أفشل الاتفاق، وظل رئيس كتلة المؤتمر يطالب بافضل مرارا بالتكفير عن يمينه وأظنه قد فعل دون أن يطالب قادة المشترك بدفع الكفارة التي كانوا سببا فيها!!
أزمة دولة لا أزمة انتخابات!! الأزمة اليمنية أقدم وأعمق مما تبدو عليه عادة وكأنها أزمة نظام انتخابي، فالمشكلة أننا لسنا أمام مشروعين أو أكثر للدولة يفصل في الاختلاف بينهما الحوار وصناديق الاقتراع ولكننا أمام أزمة الدولة ذاتها «فكرتها وأهدافها ومقوماتها ومبادئها المادية والمعنوية»، وهذه الأزمة بدأت مع إعلان دولة الوحدة ونظامها السياسي القائم على الشراكة الوطنية والديمقراطية وقد فشلت الأحزاب السياسية في تحقيق هذه المهمة وظلت تهرب من هذه المسئولية الوطنية والتاريخية إلى الانتخابات المبنية على شفا جرف هار، ولهذا لا غرابة إن أدت نتائج أول انتخابات برلمانية عام 1993م إلى حرب صيف 1994م وجاءت الانتخابات البرلمانية الثانية عام 1997م ليحصل المؤتمر على الأغلبية المريحة التي استكملت القضاء على ما تبقى من أسس الشراكة الوطنية ومقومات المشروع الديمقراطي وآخرها تعديلات 2001م، وخلال هذه الفترة ظهرت بدايات التعبير عن أزمة المشروع الديمقراطي لدولة الوحدة من خلال تيار إصلاح مسار الوحدة وملتقى أبناء المحافظات الجنوبية عام 1998م أما انتخابات 2001م فقد وصل الأمر حد استخدام الدبابات في مواجهة أكبر أحزاب المعارضة في مديرية الرضمة رغم أنه كان لا يزال في تلك الفترة متمسكا بالتحالف الاستراتيجي مع الحزب الحاكم وصوّت لصالح تعديلاته الدستورية في البرلمان، أما في الجنوب ورغم مشاركة الاشتراكي بعد مقاطعته لانتخابات 97م إلا أن حالة التأزم والاحتقان الجماهيري بدأت تعبر عن نفسها أثناء المهرجانات الانتخابية والاحتفالات بفوز الاشتراكي في بعض مديريات الجنوب، وقد شهد كاتب هذه السطور -أثناء مشاركته في اللجان الانتخابية في الضالع- بعضا من هذه الفعاليات وكان مما استوقفني فيها الشعارات والأهازيج التي كان يرددها أعضاء وأنصار الحزب ومنها هذا الزامل: يا حزبنا يا صانع الوحدة قد غيروا الوحدة ومعناها! لا شطر يحكم شطر بالقوة هذه أساليب قد رفضناها! لم تلتفت الأحزاب لدلالة مثل هذه الشعارات التي كان يرددها الآلاف من أنصار الحزب الذين لا علاقة لهم بتيار مسدوس الذي كان يدعو لمقاطعة هذه الانتخابات! وإنما وحدوا جهودهم في إطار اللقاء المشترك لتعديل قانون الانتخابات وزيادة ممثليهم في اللجنة العليا التي أظهرت انحيازا واضحا للحاكم في انتخابات 2001م، ومع ذلك فلم يحققوا نجاحا يذكر حتى في هذه القضية، وجاءت انتخابات 2003م ليحصل الحزب الحاكم -مكافأة على فشله في تحقيق وعوده للجماهير- على الأغلبية الكاسحة لتظهر بعد عام فقط أزمة الحوثي وحرب صعدة الأولى في 2004م، وأخيرا جرت الانتخابات الرئاسية في 2006م، فكانت نتائجها الأولى في 2007م ظهور الحراك الجنوبي الذي بدأ بمطالب حقوقية مع جمعيات المتقاعدين، إلا أن تجاهل السلطة لهذه المطالب المشروعة بل وإدانتها وانشغال المشترك بتهيئة الملعب الانتخابي لم يجعلهم يدخلون الملعب بأنفسهم فقط كما قال علي سيف حسن، وإنما يغادرون الملعب برمته ويبحثون عن ملعب آخر، بعيدا عن ملعب المشروع الديمقراطي لدولة الوحدة، بل بعيدا عن الوحدة ذاتها، وهو ما يعبر عن انكشاف عجز السلطة والمعارضة عن إنجاز المشروع الوطني لدولة الوحدة -وليس بسبب تحققه- وتنامي الاقتناع بأن هذا المشروع بالصورة التي تبلور فيها خصوصا بعد حرب 1994م، لا يمكن أن يشكل مدخلا للعدالة والحرية والمساواة والديمقراطية والشراكة التي جاء بها هذا المشروع عام 1990م، وهكذا في أقل من عقدين أصبحت قيم الوحدة والديمقراطية بل والجمهورية أيضا التي كانت تغذي لدى الجمهور الواسع شعبية دولة الوحدة وتثير حماسه للانخراط فيها والتماهي معها والدفاع عنها -كما حدث في حرب صيف 94م- هي نفس القيم التي تدفع هذا الجمهور -أو بعضه على الأقل- إلى رفضها والتنكر لها، لقد كان يكفي أن تظهر لا فاعلية المشروع الديمقراطي وعيوبه -بسبب خيانة السلطة وخذلان المعارضة لهذا المشروع- لتفقد الأحزاب جاذبيتها والدولة توازناتها ومقدرتها على استقطاب الولاء وتحقيق الاندماج الوطني وينتهي الأمر إلى مبارزة بين جهاز الدولة والقوى التي أفرزها مجتمع مأزوم، وليس ثمة حل سوى تسوية تاريخية تؤسس لمعنوية جديدة وإرادة جديدة، وتعيد الأمل بمشروع دولة الوحدة الموؤود، وهذا مدخله الإصلاح السياسي الشامل، وبدون تحقيق هذه الإصلاحات السياسية، فإن انتخابات 2011م -إذا ما افترضنا جدلا أن بالإمكان إجرائها- مهما كانت حرة ونزيهة ومهما توفرت لها من ضمانات بل وحتى لو فاز المشترك فيها بالأغلبية- لن تكون بوابة الإصلاح الوطني الشامل، وإنما ستكون -لا قدر الله- بوابة الانهيار الوطني الشامل!! فهل يدرك المشترك ذلك؟
|